القرطبي
309
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وحكم سليمان بوحي نسخ الله به حكم داود ، وعلى هذا " ففهمناها سليمان " أي بطريق الوحي الناسخ لما أوحى إلى داود ، وأمر سليمان أن يبلغ ذلك داود ، ولهذا قال : " وكلا آتينا حكما وعلما " . هذا قول جماعة من العلماء ومنهما ابن فورك . وقال الجمهور : إن حكمهما كان باجتهاد وهي : السادسة - واختلف العلماء في جواز الاجتهاد على الأنبياء فمنعه قوم ، وجوزه المحققون ، لأنه ليس فيه استحالة عقلية ، لأنه دليل شرعي فلا إحالة أن يستدل به الأنبياء ، كما لو قال له الرب سبحانه وتعالى : إذا غلب على ظنك كذا فاقطع بأن ما غلب على ظنك هو حكمي فبلغه الأمة ، فهذا غير مستحيل في العقل . فإن قيل : إنما يكون دليلا إذا عدم النص وهم لا يعدمونه . قلنا : إذا لم ينزل الملك فقد عدم النص عندهم ، وصاروا في البحث كغيرهم من المجتهدين عن معاني النصوص التي عندهم . والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين أنهم معصومون عن الخطأ ، وعن الغلط ، وعن التقصير في اجتهادهم ، وغيرهم ليس كذلك . كما ذهب الجمهور في أن جميع الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون عن الخطأ والغلط في اجتهادهم . وذهب أبو علي ابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي إلى أن نبينا صلى الله عليه وسلم مخصوص منهم في جواز الخطأ عليهم ، وفرق بينه وبين غيره من الأنبياء أنه لم يكن بعده من يستدرك غلطه ، ولذلك عصمه الله تعالى منه ، وقد بعث بعد غيره من الأنبياء من يستدرك غلطه . وقد قيل : إنه على العموم في جميع الأنبياء ، وأن نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم في تجويز الخطأ على سواء إلا أنهم لا يقرون على إمضائه ، فلم يعتبر فيه استدراك من بعدهم من الأنبياء . هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سألته امرأة عن العدة فقال لها : ( اعتدي حيث شئت ) ثم قال لها : ( امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ) . وقال له رجل : أرأيت لو قتلت صبرا محتسبا أيحجزني عن الجنة شئ ؟ فقال : ( لا ) ثم دعاه فقال : ( إلا الدين كذا أخبرني جبريل عليه السلام ) . السابعة - قال الحسن : لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة هلكوا ، ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه ، وعذر داود باجتهاده . وقد اختلف الناس في المجتهدين في الفروع إذا